حسن الأمين

233

مستدركات أعيان الشيعة

نسبة باطل هذه التهمة إلى حق هشام بن الحكم كنسبة الحجر إلى البحر في قول الشاعر : لا يضر البحر أمسى زاخرا أن رمى فيه غلام بحجر وكفى ما أوردنا دليلا على أن الكاتب لم يفهم مراد هشام ، ولا وقف على مصطلحه ! وأما : أين الاشكال ؟ فيقال له : إنه كامن في عدم قدرتك على الخوض في موضوع كهذا ، حساس ، لم تخبره أبدا ، ولم تعرف كيف تستخدم مصادره ، ولا لك قدرة على فهم عباراتهم ، وكلماتهم ، ثم تعتمد أساسا على مصادر الأعداء وتحاول أن تنسب ما فيها إلى هشام من دون مناقشة أو تفنيد . ولو نظر هذا الرجل في مصادرنا الموثوقة ، لوجد أن قضية « التجسيم » قد انتفت فلم يبق أي أثر للمادة في كلمة « الجسم » لما وضعت على غير معناها المفهوم ، وأريد منها معنى « الشيء » فليس هناك إلا ذكر للرب بلفظ « الجسم » وهذا هو المفهوم من مقولة « جسم لا كالأجسام » حسب تفسيرنا لها ، على مصطلح هشام . وأما مناقشة الكاتب في كتابه « الصلة بين التشيع والتصوف . . . » فهذا نص عبارته : أما التجسيم الذي قال به هشام فلا داعي للإفاضة فيه ، ونكتفي من ذلك بأنه قد بني على فكرة منطقية تقول : « إن بين معبوده - أي هشام - وبين الأجسام تشابها ما بوجه من الوجوه ، ولولا ذلك لما دلت عليه » ( الملل والنحل 1 / 208 ) وينتهي إلى أنه « لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء » ( الملل والنحل 1 / 208 ) يضاف إلى هذا أن أبا الحسن الأشعري ، لما ذكر تجسيم هشام بن الحكم لله وأن له طولا وعرضا ، أردف ذلك بقوله : « على المجاز دون التحقيق » ( مقالات الإسلاميين : 102 ) . وأدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم المادي لله ما ذكره علي بن إبراهيم القمي من اختلاف هشام وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، في كيفية رؤيته ( كذا ) النبي لله في المعراج ، فقال الآخر : نحن نقول بالصورة للحديث الذي روى أن رسول الله ص رأى ربه في صورة شاب ، وقال هشام بالنفي للجسم . . . « ( تفسير علي بن إبراهيم : 19 ) . وقد حاول الشيعة ، قدماء ومحدثين ، أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسمية بكل ما أوتوا من قوة ، غير أن الحجة أعيتهم ، ومن هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسمية ، وقرن الشيعة ذلك بحكايتهم رجوع هشام عنها ، وكان ذلك غاية ما بذلوه من جهد ! ( نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، للدكتور علي سامي النشار ، ط 2 ، مصر 1964 ، ص 241 ) . وذكر الشيخ عبد الله نعمة في هشام أنه « في آرائه الموجودة بين أيدينا اتجاه مادي ، ونزعة حسية قلما تخفى . . . ثم هو يغرق في نزعته الحسية حتى حكي عنه القول بان الجوهر جسم رقيق . . . » ( هشام بن الحكم ، بيروت 1959 ، ص 98 - 99 ) . وكذلك فعل الدكتور محمد جواد مشكور في تحقيقه لكتاب « المقالات والفرق » لسعد بن عبد الله الأشعري ( طهران 1963 ، ص 321 ) وقد أخذ توفيق الفكيكي في شان هشام بن الحكم برأي الشيخ المفيد وأصر على نفي التجسيم عنه دون دليل واضح ( انظر نقده للطبعة الأولى من هذا الكتاب في مجلة « الايمان » النجفية ، السنة الأولى ، العددين الخامس والسادس ، 1964 ، ص 398 ، 405 ) ومن الغريب أن تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة وإنما فعل ذلك أهل السنة ، فأبو الحسن الأشعري وابن حزم الظاهري قدما المادة الكلامية لهذه البراءة ، والدكتور علي سامي النشار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤداه « أن الفعل لا يصح إلا من جسم ، والله فاعل ، فوجب أنه جسم » وأن « معنى الجسم أنه موجود » وكان هشام يقول : أريد بقولي : « جسم » أنه موجود ، وأنه شيء ، وأنه قائم بنفسه ( نشأة الفكر الفلسفي ، ص : 241 ، 244 ، 256 ) . ويختم الدكتور النشار ذلك بحكمه من « أن الجسم عند هشام بمعنى الموجود ، فكل موجود جسم . . . » « والله موجود ، فهو جسم ، لكنه لا كالأجسام » ( ص 246 ) ( 1 ) 1 - قوله : فكرة منطقية تقول إن بين معبوده ( أي هشام ) وبين الأجسام تشابها ما بوجه من الوجوه ، ولولا ذلك لما دلت عليه . أقول : إن هذا الكلام نسبه الأشعري ( 2 ) والشهرستاني ( 3 ) إلى هشام بن الحكم ، نقلا عن ابن الراوندي . وأضاف الشهرستاني في موضع آخر إليه قوله : الأعراض لا تصلح أن تكون دلالة ( كذا ، والصواب دالة ) على الله تعالى ، لأن منها ما يثبت استدلالا ، وما يستدل به على البارئ تعالى يجب أن يكون ضروري الوجود لا استدلالا ( 4 ) لكن هذه المقالة - بعين اللفظ - منقولة عن هشام بن عمرو الفوطي ، فقد ذكر الشهرستاني في فرقة « الهشامية » من المعتزلة ، ما نصه : ومن بدعه في الدلالة على البارئ تعالى قوله في الأعراض لله لا تدل على كونه خالقا ولا تصلح دلالات ، بل الأجسام تدل على كونه خالقا ( 5 ) وليس هذا أول خلط لهم بين الهشامين : ابن الحكم ، وابن عمرو الفوطي . مع أن نسبة هذه المقالة إلى هشام بن الحكم لا يناسب مقولته المعروفة المذيلة بقوله « . . . لا كالأجسام » حيث ينفي فيها كل شبه بين الخالق والمخلوق . والعجيب أن الكاتب يقول : « وينتهي إلى أنه لا يشبه شيئا من المخلوقات ، ولا يشبهه شيء » . فكيف ينتهي القول بالشبه بينهما إلى القول بعدم الشبه ، أليس هذا « خلفا » كما يقول المناطقة ؟ ! مع أن هذا ليس هو النهاية في رأي هشام ، بل هو يرى ذلك من

--> ( 1 ) الصلة بين التشيع والتصوف : 143 . ( 2 ) مقالات الإسلاميين 1 / 103 . ( 3 ) الملل والنحل 1 / 184 . ( 4 ) الملل والنحل 1 / 185 . ( 5 ) الملل والنحل 1 / 72 .